الشيخ محمد رشيد رضا
384
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
يقول : ما معنى جعل اخذ زينة الناس من أمور الدين وهو من لوازم البشر لا يحتاجون فيه إلى وحي الهي ولا شرع ديني ؟ وقد يقول مثل هذا في قوله تعالى وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وهذا الامر المقيد بما عطف عليه من النهي ارشاد عال أيضا فيه صلاح للبشر في دينهم ومعاشهم ومعادهم ، لا يستغنون عنه في وقت من الأوقات ، ولا عصر من الاعصار ، وكل ما بلغوه من سعة العلم في الطب وغيره لم يغنهم عنه . بل هو يغني المهتدي به في امره ونهيه عن معظم وصايا الطب لحفظ الصحة - والمعنى خذوا زينتكم عند المساجد وأداء العبادات ، وكلوا من الطيبات ، واشربوا الماء وغيره من الأشربة النافعة المستلذات ، وَلا تُسْرِفُوا فيها ولا تعتدوا بل الزموا الاعتدال إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ اي إن ربكم الذي أنعم عليكم بهذه النعم لمنفعتكم ، لا يحب المسرفين في امرهم ، بل يعاقبهم على الاسراف ، بقدر ما ينشأ عنه من المفاسد والمضار ، فالنهي راجع إلى الثلاثة كما يؤخذ من أكثر الروايات ، بل حذف المعمول يدل على العموم ، اي لا تسرفوا في هذه الأشياء ولا في غيرها ، ويؤيده تعليل النهي بأنه تعالى لا يحب جنس المسرفين - أي لأنهم يخالفون سننه في فطرتهم ، وشريعته في هدايتهم ، بجنايتهم على أنفسهم في ضرر أبدانهم ، وضياع أموالهم ، وغير ذلك من مضار الاسراف الشخصية والمنزلية والقومية . اخرج عبد بن حميد والنسائي وابن ماجة وابن مردويه والبيهقي في شعب الايمان من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ( ص ) قال « كلوا واشربوا وتصدقوا والبسوا في غير مخيلة ولا سرف فان اللّه يحب أن يرى أثر نعمته على عبده » وفي معناه عن ابن عباس : كل ما شئت واشرب ما شئت والبس ما شئت إذا أخطأتك اثنتان : سرف أو مخيلة . والمخيلة ( بفتح الميم بوزن سفينة ) الخيلاء والاعجاب والكبر ، وعن عكرمة في قوله « وَلا تُسْرِفُوا » قال في الثياب والطعام والشراب . وعن وهب بن منبه قال : من السرف أن يكتسي الانسان ويأكل ويشرب ما ليس عنده . وفي رواية عن ابن عباس في قوله ( انه لا يحب المسرفين ) قال في الطعام والشراب . وفي أخرى قال أحل اللّه الاكل والشرب ما لم يكن سرفا أو مخيلة . ولم يذكر اللباس والمخيلة تظهر فيه ولا تظهر في نفس الاكل والشرب وانما قد تظهر في اوانيهما كما سيأتي والأصل في الاسراف تجاوز الحد في كل شيء بحسبه ، والحدود منها طبيعي كالجوع والشبع والظمأ والري فلو لم يأكل الانسان الا إذا أحس بالجوع ومتى